منتدى الافيوش

اهلا وسهلا بكم في منتدى الافيوش
منتدى الافيوش

منتدي اجتماعي و ثقافي

المواضيع الأخيرة

التبادل الاعلاني


    محمد محمود الزبيري

    شاطر
    avatar
    ثوة الشعب

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 01/03/2011

    محمد محمود الزبيري

    مُساهمة من طرف ثوة الشعب في الثلاثاء مارس 01, 2011 10:39 am

    الشاعر محمد محمود الزبيري

    حياته ولد ونشأ في صنعاء، العاصمة اليمنية العريقة ، وبها بدأ تعلمه وتأثر تأئرا شديدا بتعاليم الصوفية ونعم بها كما لم ينعم بشيء

    حياته ولد ونشأ في صنعاء، العاصمة اليمنية العريقة ، وبها بدأ تعلمه وتأثر تأئرا شديدا بتعاليم الصوفية ونعم بها كما لم ينعم بشيء آخر ، ومال إلى الأدب عامة والشعر خاصة ، فدرسه حتى تمكن من نفسه ، فهام به أي هيام . وقبل نشوب الحرب الكونية الثانية انتقل إلى مصر ليتم دراسته ، فالتحق بدار العلوم حصن اللغة العربية ، وقبل أن يتم دراسته فيها عاد إلى اليمن عام 1941 م وكانت الأوضاع فيها متردية ، استشرى فيها الفقر والمرض ، ولم يقم الحكام بواجبهم نحو مكافحة هذين البلاءين ، وزاد الأمر سوءا انتشار الجهل وانتصار حكام اليمن له ، فأذهل هذا الوضع الزبيري فصرخ متألماً :

    ماذا دهى قحطان ؟ في لحظاتهم
    بؤس وفي كلماتهــــم آلام

    جهـل وأمراض وظلـم فــاح
    ومخافة ومجاعـة و " إمـام"

    لقد اتسعت الشقة بين الشعب اليمني وحكامه ، وترصد كل منهما الآخر وكان لابد للزبيري أن يسعى لإنقاذ شعبه مما هو فيه ، فسعى إلى إقناع الحكام بالسماح لهذا الشعب المسكين أن ينطلق من قيوده ، وقد بذل كل ما في وسعه لتحقيق الخير لبني وطنه ، فمدح الأئمة وأبناءهم ، وصانعهم ولاينهم ، ولكن بلا جدوى، فقد تمكنت قي نفوسهم عقيدة راسخة بأن هذا الشعب لا يحكم إلا بالحديد والنار. ولما يئس من استجابة الحكام لدعوته للإصلاح ، ترك المصانعة وأعلها عليهم حربا ضروسا ، سلاحه فيها شعره المتفجر الملتهب ، فقد كان يعتقد بأن للقلم في مقاومة الطغيان فعل الحديد والنار، وقد عبر عن هذا الاعتقاد نثراً وشعرا فمن ذلك قوله :

    " كنت أحس إحساسا أسطوريا بأني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان " وفي نفس المعنى يقول شعرا :

    كانت بأقطابها مشدودة الطنب
    قوضت بالقلم الجبار مملكة

    وفي نفس العام الذي عاد فيه من القاهرة استقبلته سجون صنعاء والأهنوم وتعز ولما استطاع محبوه أن يخرجوه من

    السجن لم يطق البقاء في اليمن - السجن الكبير كما دعاه - فارتحل إلى عدن سنة 1944 م لعله يستطيع أن ينطلق منها لتحقيق الحرية لقومه ، فعمل على بث روح التضحية والثورة في الشعب اليمنى عن طريق صحيفته التي أصدرها في عدن سنة 1946 م باسم " صوت اليمن " واختاره اليمنيون المقيمون هناك رئيسا للاتحاد اليمني ، وأسلموا له راية الجهاد . . تابع جهاده في عدن رغم مضايقات الإنجليز إلى أن قامت الثورة الأولى بقيادة عبد الله بن أحمد الوزير سنة 1948 م ، قتل فيها الإمام يحي حميد الدين وعدد من أولاده ، فهرع إلى اليمن وعين وزيرا للمعارف ، ولكن هذه الثورة لم تدم أكثر من شهر ، وعادت أسرة حميد الدين للحكم فى شخص الإمام أحمد ابن الإمام المقتول . وفر الزبيري ثانية ، ولكنه وجد الأبواب أمامه موصدة إلا باب الدولة الإسلامية الناشئة في باكستان فالتجأ إليها ، ولقي من شعبها المسلم كل تكريم فقابل هذا التكريم بمثله فتغنى بهذا الشعب الأبي ، وأنشد أجمل قصائده فيه وأذاع روائع شعره من إذاعة الدولة الناشئة . وفي عام 1952 م هرع إلى مصر عندما علم بقيام الثورة فيها ، واستبشر الزبيري خيراً بهذه الثورة عندما لاحت على بداياتها السمات الإسلامية ، فأمل في مساعدة قادتها لليمن ، وما كان يعلم آنذاك ما خبأته الأقدار لليمن على أيدي رجالات هذه الثورة

    قام أحمد يحيى الثلايا بثورته الإصلاحية قي سنة1955 م والزبيري بمصر ولكن الثورة فشلت قبل أن يسهم فيها بشيء ، وعاد حكام اليمن اكثر قسوة وأشد تصميما على منهجهم في الحكم ، واستمر الزبيري في مصر يدعو لإنصاف شعب اليمن عن طريق المقالات التي ينشرها في صحيفة " صوت اليمن " التي أعاد إصدارها في سنة1955 م وأخذ يشارك في جميع القضايا العربية والإسلامية بجهده وشعره .

    ويئس بعض رفاقه قي الكفاح ، وظل الأمل يحدوه ، وقامت ثورة 1962 م بقيادة عبد الله السلال الذي استدعى الزبيري من القاهرة وسلمه وزارة التربية والتعليم ، ثم عين عضوا في أول مجلس لرئاسة الجمهورية ولكن الياح لم تجر كما شاء لها شاعرنا وقدَّر فانتكست الثورة بحرب أهلية مريرة لم يشهد تاريخ العرب لها مثيلا ، فترك الزبيري الوزارة وأفرغ جهده في إصلاح ما أفسده المفسدون فزار القبائل وعرض نفسه للقتل ، ودعا إلى الوفاق والصلح وحقن الدماء ، وحضر جميع المؤتمرات التي عقدت للصلح ، وكان رئيسا لمؤتمر عمران الذي أصدر قرارات الصلح والوفاق ولكن هذه القرارات جوبهت بالمماطلة في التطبيق . . . وتوالت المؤتمرات في أركويت قي السودان وفي خمر في اليمن . .. وكان الزبيري فيها جميعا داعية الوفاق والإصلاح .

    لقد أدرك ـ رحمه الله ـ ، بعد كل ما بذل من جهد أن الدعوة الفردية لا تجدي ، وأنه لا بد من تنظيم يتبنى نظاما مقبولاً لدى الشعب اليمني بأسره يكون بديلا لكل هذه الدعوات التي أغرقته في بحار من الدماء ، ولم يكن الزبيري ليعدل بالإسلام نظاما ، فقد عاش حياته مؤمناً أن لا حياة للمسلمين إلا بالإسلام فسارع إلى إنشاء حزبه باسم " حزب الله " ، فالتف حوله خيرة الرجال في اليمن ، وانطلقت دعوته تجوب آفاق اليمن فتلقى المجيبين والملبين ، وبدأ حملة واسعة قي أرجاء اليمن يخطب الجماهير داعيا إلى ما آمن به ، وانتهى به المطاف إلى جبال " برط " وبينما كان يلقي خطابه انطلقت رصاصات غادرة تخترق قلبه المؤمن ، فسقط شهيدا على تراب اليمن التي وهبها حياته كلها ، وقي هذا اليوم أول نيسان 1965 م صمت الصوت الذي هز اليمن ، هز المخلصين فسارعوا إليه يلبون نداءه ، وهز الحاقدين والمنتفعين والمستعمرين فسارعوا إلى إفراغ حقدهم برصاصات استقرت في القلب الكبير .

    من قتل الزبيري ؟ ولماذا لم يلق القبض على القتلة ؟ ولماذا أهمل التحقيق في الحادث ؟ إجابات هذه الأسئلة ستبقى مطوية إلى أن يأتى الزمن الذي يكشفها ويكشف مثيلات لها في أرجاء الوطن الإسلامي الكبير .

    آثاره :

    أصدر شاعرنا ديوانين : الأول : " ثورة الشعر " الثاني : " صلاة في الجحيم "

    وما نشر في هذين الديوانين هو الجزء الأقل من شعره ، ولازالت هناك مجموعات كبيرة من شعره تنتظر من يقوم بطبعها .

    صدر للشاعر الكتب السياسية التالية :

    ا - دعوة الأحرار ووحدة الشعب 2 - الإمامة وخطرها على وحدة اليمن 3 - الخدعة الكبرى في السياسة العربية 4 - مأساة واق الواق ، تحدث فيه عن مصير جلادي اليمن وعن مصير الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن اليمن وشعبه متبعا أسلوب ، " رسالة الغفران " للمعري .

    وله إلى جانب هذه المؤلفات مجموعات من مقالاته وبحوثه السياسية والأدبية تقع في عدة مجلدات . ولا يفوتنا هنا أن نسجل بأن جميع مؤلفات الزبيري والغالبية العظمى من شعره تدور حول مأساة الشعب اليمني الذي أفنى عمره في سبيل قضيته وسقط شهيدا وهو ينادي بحريته .
    شعر5:

    الزبيري شاعر مطبوع ، تعشق الأدب منذ يفاعته ، وقال الشعر منذ صباه يمتاز شعره بالجزالة والحيوية وهو في نسجه أقرب ما يكون للقدامى لولا المعاني الحديثة التي يتناولها ، وقف شعره تقريبا لقضيته ألكبرى ، حرية اليمن وسعادة شعبه ، فقد هاله ما يعانيه اليمنيون من ظلم الحكام وفتك الأمراض وانتشار الفقر واستيلاء الجهل على الناس ، فحاول محاربة كل هذه الأوبئة بالكلمة ، بالأدب ، بالشعر وكان مؤمناً إيمانا لا يتزعزع بأنه قادر بها أن يخلص شعبه ويسعده .

    ولم يخل شعره من الالتفات إلى قضايا الإسلام والمسلمين ، فالتفت إلى قضايا فلسطين وباكستان وكشمير. . . ودافع عنها وبيّن وجه الحق فيها . .. . . ولم يستطع شاعر عربي قبل الزبيري أن يصور بشعره الظلم والظالمين . بمثل القوة التي صورهما بها ، وأن يرسم للطغاة صورا تكشف حقيقتهم وتسخر من جبروتهم بمثل ما رسمها ، وقارئ دواوينه لا ينفك يطالع هذه الصور المعبرة واللقطات الحية .... .. .

    مختاراتنا من شعره :

    راعينا في اختيارنا أن تكون هذه المختارات ممثلة لجوانب ثلاثة : حبه لليمن وسيطرة هذا الحب على نفسه ، واهتمامه بالقضايا الإسلامية ، وتصويره للطغيان .

    ا - " الحنين إلى الوطن " : وهي قصيدة تعبر تعبيرا عميقا عن شدة حبه لوطنه وبني وطنه .

    2 - " محنة الإسلام " " وهي قصيدة ألقاها ترحيبا بالدكتور عبد الوهاب عزام عند قدومه إلى الباكستان سفيرا لمصر، وفيها تصوير للحال الذي آل إليه المسلمون ، ولم يضع الشاعر عنوانا لهذه القصيدة ، فوضعنا لها هذا العنوان الذي يناسب موضوعها العام ، وقد اخترنا من القصيدة الجزء الذي تحدث فيه الشاعر عن محنة الإسلام .

    3- " رثاء شعب " ، بدأ نظمها إثر مصرع الثورة اليمنية سنة 1948 م ، يقول الشاعر عن ظروف نظم القصيدة ، نظمتها وأنا مطارد في الهند ، هارب من البشر محظور علي أن أمشي عليك ظهر الأرض " اسمي مسجل في القائمة السوداء في مصر .

    4 - " عالم الإسلام " ألقاها في مؤتمر إسلامي حاشد في باكستان
    avatar
    ثوة الشعب

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 01/03/2011

    رد: محمد محمود الزبيري

    مُساهمة من طرف ثوة الشعب في السبت أبريل 02, 2011 7:10 am



    لمحات من حياة الزبيري :
    •استشهد المجاهد محمد محمود الزبيري في 29/11/1385هـ الموافق 1/4/1965م
    •نشأ الزبيري يتيماً مثله مثل كثير من المصلحين والعلماء العاملين .
    •كان شاعراً ومجاهداً ومفكراً ومربياً وثائراً على الظلم .
    •وكان رائداً للعمل الإسلامي الإصلاحي في اليمن ، وكان مدرسة في سلوكه وتفكيره .. في صبره واحتماله.
    •وكان رحمه الله نموذجاً للداعية المسلم في زهده وورعه وتقواه .


    من أقوال الشهيد الزبيري :
    * خرجنا ونحن نعرف أن الجهاز الحكومي في صنعاء جهاز فاسد يجب إصلاحه وتطهيره لأن بقاء الجهاز الحكومي فاسداً يقوي الملكية ويزيد من الفتنة والظلم والظلام والحرب والحراب ولا سيما أن شعبنا يرفض الحكم العسكري رفضاً حاسماً ومستميتاً .
    * إن حكاية وحدة الصف بدون وحدة الهدف .. حكاية تافهة وخرافة ولا تعدو أن تكون في الواقع غير اتفاق على نفاق متبادل وغش مشترك . (من المنشور الأول : لماذا ظهر حزب الله) .
    * ورأينا الشعب واثقاً بنا فتمسكنا بمصلحة الشعب ولم نسمح لأنفسنا براحة ولا هدوء ولا إخلاد إلى منصب رغم أننا في معركة دائمة منذ ثلاثين عاماً تقريباً ، ما هجعنا ولا تمتعنا بطعم الحياة ، أنكرنا الظلم في العهد الإمامي .. ثم أنكرنا الخطأ في العهد الجمهوري .. لأن المبدأ لا يتغير بتغير الأشخاص والأسماء والأشكال . ( من دعوته إلى مؤتمر السلام ) .
    * لا بد لنا إذا أردنا أن نخرج الثورة والجمهورية من الظلمات إلى النور أن نعلن باسمها فكرة شاملة صارخة مجردة لمعالم الحياة الاجتماعية والفردية تقيد الأفراد والجماعات بقيود صارمة ومقدسة ومعترف بها شعبياً على نطاق اليمن كلها .. هذه الفكرة لا يمكن أن تكون غير رسالة الإسلام وتعاليم السماء وقيم الأنبياء قال تعالى : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) .
    * إن اليمن لن تسترد كرامتها وعزتها إلا يوم يوجد في بنيها عشرات من المناضلين على الأقل يرضون بالجوع حتى الموت وبالسجن حتى نهاية العمر وبخراب البيوت حتى آخر حجر فيها ، ويتقدمون إلى العمل الوطني على أساس النصر أو الموت لا كما رأينا البعض يعملون في ميدان الكفاح على ان تكون أمامهم غايتان : إما النصر السهل الرخيص السليم اللذيذ ، وإما التراجع والمساومة وبيع الذمة وخيانة الزملاء والشركاء ونكث العهود وكشف الأسرار .
    * الحكم الجمهوري الذي نريده هو : الحكم الجمهوري الإسلامي الصحيح يقوم على أساس الشورى ، والذي يتمكن فيه أبسط أبناء الشعب أن يقوِّم رئيس الجمهورية وأن ينتقد أي وزير دون خوف من حبس أو لغم ينفجر في بيته أو عزله من الوظيفة فذلك هو واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمرنا الله به ورسوله فقال عليه الصلاة والسلام (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) .



    من مؤلفاته :
    1.الإمامة وخطرها على وحدة اليمن .
    2.ثورة الشعر - ديوان .
    3.الصلاة في الجحيم - ديوان .
    4.نقطة في الظلام – ديوان .
    5.الإسلام دين وثورة – مقالات .
    6.المنطلقات النظرية للثورة اليمنية – مقالات .
    7.مأساة واق الواق – رواية .
    8.الخدعة الكبرى في السياسة العربية .
    9.النعمان الصانع الأول لقضية الأحرار في اليمن .
    بالإضافة إلى محاضرات وخطب ومقالات وقصائد ورسائل كثير منها لم ينشر حتى الآن .



    مؤلفات عنه :
    لقد كان الزبيري محور الكثير من الدراسات والكتب التي تناولت جوانب من حياته ونضاله ونشاطه وشعره منها :
    1.الزبيري أديب اليمن الثائر – رسالة علمية للدكتور عبد الرحمن العمراني .
    2.الزبيري شاعر اليمن – هلال الحلوجي .
    3.الزبيري شاعراً ومناضلاً – مجموعة من الكتاب اليمنيين .
    4.الزبيري ضمير اليمن الثقافي – د. عبد العزيز المقالح .
    5.الزبيري من أول قصيدة وحتى آخر طلقة – عبد الله البردوني .
    6.الزبيري الشهيد المجاهد – عبد الرحمن طيب بعكر .
    7.التاريخ يتكلم – وثائق – عبد الملك الطيب .
    8.شعر الزبيري – د. رياض القرشي .
    بالإضافة إلى عشرات الدراسات المنشورة في المجلات والدوريات اليمنية .

    نص محاضرة الشيخ/ عبدالمجيد الزنداني


    www.almotamar.net/photo/05-01-16-1836277165.jpg" alt="" />

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
    بسم الله الرحمن الرحيم


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده صلى الله عليه وسلم.
    في البدء :
    لماذا نحتفل بذكرى الرجال العظماء ؟ ولماذا تجتهد الشعوب في التذكير برجالها وأبطالها ؟ ليس لتعظيم الرجال ولا لتقديسهم ، فديننا دين التوحيد الذي لا يعرف لله شريكاً ، ولكننا عندما نتذكر سيرة هؤلاء الرجال نتذكر المُثل الحية في الواقع ، نتذكر كيف تتحول القيم والمبادئ والفضائل إلى سلوك بشري حي يمارس في الواقع .. فيكون في تلك المثل قدوة للناس ، وتبيين لإمكانية السلوك القويم على ذلك النهج الصحيح ، وقد يقول قائل : أما وأنت قد شهد لك الناس الذين عرفوك وعرفوا الزبيري أنك صاحبته كظله في القاهرة وفي اليمن ، في حله وترحاله ، في وقفاته وفي مواجهاته وفي تربيته وعمله ، فلماذا صمتُّ طوال هذه الفترة وتكلم غيرك ؟! فأقول لقد جعلتها حيلة ، ونجحت الحيلة ، ولقد صمتُّ ليصفه الآخرون ، ولو تكلمت بحقيقته لعادوه لذلك ، ولكنهم بعد أن شهدوا وثبتت تلك الشهادات ولا مجال بعد ذلك للنكوص عنها سأقول وسأكشف أسراراً دقيقة لا يعرفها كثير من الناس ، الأستاذ الزبيري أول ما عرفته في بيت من الشعر ردده على سمعي أستاذي القاضي إسماعيل الأكوع وهو يحبب إليّ الثوار والعلماء فيقول أنظر ماذا قال الزبيري :
    خرجنا من السجن شم الأنوف كما تخرج الأسد من غابها
    نمر على شفرات السيــوف ونأتي المنيـــة من بابها
    فأحببت قائل هذا الشعر وأنا طفل في سن العاشرة ، وتمنيت أن ألتقي بصاحب هذا القول الذي يتحدى الطواغيت .
    وشاء الله جل وعلا أن يكتب لي اللقاء به في القاهرة ، ولكن المورد العذب يكثر عليه الزحام فلم أتمكن من أن أتعرف إليه عن قرب ، ولكني بعد أن رأيت الأحزاب تتخطف شباب اليمن في القاهرة ، الأحزاب التي قد أعلن اليوم عن بداياتها كانت هناك ، كنت مشاهداً لذلك المولد ولتلك البداية ، ولما كان الميدان الأول الذي عملت فيه الأحزاب هو قطاع الطلاب في القاهرة ، فقد كنت أول من خضع لتلك التجربة الحزبية قبل أن تشهدها البلاد اليوم بصفة رسمية .


    مجموعة الحياد :
    ورأيت أحزاباً تدير ظهرها للإسلام .. رأينا أحزاباً تتبنى حرب الإسلام ، ورأينا أحزاباً تعظم كل شيء غير الإسلام ، ورأينا سلوكاً لا يستقيم مع منهج الإسلام ، فتنادى بعض الشباب اليمني المؤمن الذي بقى على الفطرة وقالوا : نحن ننكر هذه الحزبية ، نحن مسلمون ولا بد أن نقف في وجه هذا .. وتجمعنا وكونّا مجموعة اسمها "الحياد".

    من أنتم ؟؟ :
    نحن محايدون ، هذه الأحزاب ستؤذي بلادنا وستدمرها .. وبحثنا عن رأس..عن زعيم يساعدنا ..فكانت بأذهاننا من ؟ من؟! من الذي له السمعة الطيبة بين الناس والكلمة ؟‍ ، إنه الزبيري ! فتوجهنا إليه نشكو له حالنا ، ونقول له : ما المخرج والحال من هذا؟ فشجعنا – رحمه الله – فقال : اثبتوا فقد هديتم إلى الطريق ، واستمروا فيما أنتم فيه ، ففرحنا فرحاً عظيماً بكلام الأستاذ الزبيري – رحمه الله – ثم بدأنا ندعوا ونتحرك ونبين ، ولما سمع الأستاذ الزبيري –رحمه الله – أن تلك الدعوة التي شجعها قد اشتد ساعدها أرسل إليَّ يقول : قولوا لعبد المجيد لماذا قطعنا الزيارة ..فقلت : سبحان الله لعل الأستاذ يريد شيئاً ..في نفسه شيء..فتذاكرت مع إخواني وبعضهم لا يزال حياً ، وكانت الوطأة الاشتراكية العربية والقومية العربية ، والمعاني التي تصرف الناس عن الدين قد اشتدت بقوة ، وأصبح المسلم يومذاك غريباً ، بل لقد كان بعض الطلاب اليمنيين –ولا أريد أن أذكر أسماء – إذا أراد أن يصلي دخل الحمام ثم ينشف وجهه ويديه حتى لا يعلم أحد من زملائه أنه من المصلين ، بل إن أحد الطلاب كان ضعيفاً نسبياً في بدنه وأيضاً في موقفه .. صلى..فإذا بزملائه الذين قد اختطوا طريقاً آخر يسكبون البيرة على سجادته .. أصبحنا نشك في كل شيء حولنا ، وتساءل هؤلاء الشباب وقالوا : الزبيري رجل صالح ، ولكن يا ترى هل مازال باق أمام هذه الزوابع على منهجه ؟ فقالوا لي : اذهب أنت وزره واذهب إليه وقت صلاة المغرب فهو وقت ينكشف فيه إن كان يصلي أم لا ، كان هكذا جهلنا بشيخنا !!! وذهبت للاختبار …وما إن أذن المغرب حتى طرقت الباب ، ففتح وإذا به في حالة يتهيأ فيه للصلاة فصلى الأستاذ فقلت : نجح في الامتحان .
    فعدت أقول لقد وجدنا شيخنا.. قالوا : نأتي لنطمئن ، وكان من أشد الأخوة الكرام في هذه الأستاذ الشهيد / عبده محمد المخلافي – رحمه الله – وتعرفنا إليه واطمأنت نفوسنا إلى الشيخ ، وأخذنا نشغله في بيته ، فإذا بنا نكتشف عملاقاً من العمالقة .. ومما قاله : إن سر تفوق المسلم وسر عظمة التاريخ الإسلامي أن المسلمين الأوائل وضعوا الدنيا تحت أقدامهم ، ما ملأت الدنيا قلوبهم ، فلذلك أصبحوا أحراراً لا يستعبدهم أصحاب المال ، ولم يستعبدهم أصحاب السلطان ، وأضاف : أقول لكم بحق يا أبنائي لقد كنا نتحرك في الحركة الوطنية وكنا نرجوا من شبابنا أن يكونوا هم المدد لكن سبقتنا الأحزاب إليهم ، وأصبحنا بغير جنود لأن الأحزاب أخذتهم ، ونظمتهم في الخلايا وفي التكوينات الحزبية المختلفة ولا نستطيع أن نكون مثلهم ولا أن نتبنى أفكارهم لذلك أصارحكم فأقول : سبب ذلك أننا قصرنا في تربية أبنائنا تربية إيمانية إسلامية ، ولما قصرنا في التربية الإيمانية أصبح الشباب يأتون الحركة الوطنية ، حركة بدون لون ..فنجحت الأحزاب أن تعطيهم ألوانها.

    الطريق الصحيح :
    وأعلن الزبيري قائلاً : من الآن سأبدأ .. لقد قضيت في الحركة الوطنية خمسة وعشرين عاماً .. وسأبدأ الآن من الصفر .. لا بد أن نجمع بين الحركة الوطنية وروحها الإسلام .. وعليكم أن تتثقفوا إذا أردتم أن تستمروا في الطريق ، وأذكر ذات يوم أنه أخذنا من الدقي إلى الأهرام مشياً على الأقدام وهي مسافة بعيدة وقلنا له : لماذا يا أستاذ ؟ قال : لابد من الخشونة ولا بد من الزهد والتقشف ، فوجدنا شيخاً أنشط من الشباب وسرنا معه .. ثم أخذنا نذهب إلى بيوت الطلاب، ومن باب إلى باب لا نركب الحافلات بل نمشي على أقدامنا لنوفر النقود ..وفجأة انطلق بين الناس صوت يقول "الزبيري من الإخوان المسلمين " وقال الأستاذ الزبيري رحمه الله : لا تلتفتوا لهذه ..هذه مكيدة..لأنكم تدعون إلى الإسلام .ولأننا توجهنا هذا التوجه الإيماني..فيريدون صدنا عن هذا ..فلن نستجيب لذلك..وسنمضي .

    موت الإمام أحمد :
    وفجأة طُلِبَ الأستاذ الزبيري – وهذا سرّ ، ما أدري هل كتبه أحد أم لا؟؟ – قيل له بعد موت الإمام أحمد : إن الحكومة المصرية تؤيد الإمام البدر ، والبدر أمير قوي ، ولا بد لك بأن تصدر بياناً تؤيد فيه البدر، وسياسة مصر هي هذه ، ولا نستطيع أن نغيرها ، فجاء الأستاذ يقول لنا : كيف أؤيد من قضيت عمري في معاداته ، ومعاداة نظام حكمه، أما الأستاذ نعمان فقد نجحوا في استدراجه ، وأصدر بياناً يؤيد فيه البدر، وأذيع البيان من صوت العرب ، واندهش الثوريون في صنعاء وتعز ، واندهش رجال الحركة الوطنية لتصريح الأستاذ النعمان ، وكانت دهشتهم ستكون أكبر لو سمعوا التصريح من الأستاذ الزبيري ، ولكن الأستاذ الزبيري استعصم وأبى ، وقال : ماذا بيني وبينكم ؟ لا تقبلوني في أرضكم سأخرج منها وأنا متجه إلى السودان ..لا يمكن أن أعطي هذه الكلمة ، ولا يمكن أن أهادن هذا النظام فلما رأوه كذلك بدءوا يلاينوه، ما السر في ذلك ؟!
    السر أن مصر يومذاك كانت تلمع عبد الرحمن البيضاني وكان قد ترشح ليكون الزعيم للانقلاب الذي كانت ترتب له مع الثوار قبل موت الإمام أحمد ، وبعد موته ، وكان السفير المصري على صلة بالضباط الأحرار ، ويعلم أن انقلاباً سيقوم ، ولكنهم كانوا يريدون أن يحترق الزبيري ، وأن يحترق النعمان ، فإذا احترقت الزعامات السياسية فسح المجال للأستاذ البيضاني.

    قيام ثورة 26 سبتمبر المجيدة :
    وما هو إلا أسبوع فإذا بالثورة تقوم ، وإذا بالأستاذ الزبيري يرى ويحمد الله عز وجل أنه لم يستدرج ، فقرر التوجه إلى صنعاء ، وقد عين وزيراً للمعارف ، وقال لي : إلحق بي ولا تتأخر ، فلحقت به - رحمه الله – وبعد خمسة أيام كنت في صنعاء وبقية الشباب الذين بايعوا الأستاذ الزبيري أميناً عاماً لهم ، وكانت حركة سرية يومذاك كسائر الحركات الأخرى في القاهرة .. وجاء الأستاذ الزبيري ، وقلت له : الآن أنت وزير معارف فعليك أن تصلح ، قال : ماذا نصلح؟!! إننا في لعبة شطرنج ..كش ملك ، كش وزير ، إذا أردنا أن نصلح جاءت السياسة الخارجية لتفسد علينا ما نصلح …إنني ألمس أن هناك خطة مرسومة لتأجيج الفتن القبلية ضد الثورة ، فقد رصدت عدداً من الشواهد التي كانت القبائل فيها تستجيب لذلك ، فيرسل إليها من ينفرها ويستفزها ليكون ذلك مدداً لمجيء القوات ، فقال : يجب علينا أن نوقف هذا النزيف خاصة وبعض مشائخ القبائل الذين تمردوا كثير منهم كانوا معنا في الحركة الوطنية ، وكانوا معنا ضد الإمام ، والذي دفعهم إلى أن يتجهوا إلى التمرد على الثورة هو السلوك وبعض التصرفات ، فإذا أردنا أن نصون الثورة وأن نحفظها فيجب علينا أن نبطل هذه الأسباب المفتعلة …، وترك الدوام في وزارة المعارف لأن السفينة كلها تتأرجح في أمواج متلاطمة ، وكان يجلس في بيته -رحمه الله- وبدأت أفواج الأحرار ، وأفواج العلماء ، والمشائخ والضباط والسياسيين يلمسون ما يلمس ، ويرون الخلل الذي يراه الأستاذ ، ويشتكون إليه فيبين لهم الخلل ، ويبين لهم أين الخطر ، فيتعاطفون معه ويقفون وراءه ، ويسير بنفسه إلى القبائل المتمردة في خولان وفي أرحب وفي غيرها .. عدة مرات تثور الحروب والفتن ضد الجمهورية ، فنرى الأستاذ يجمع القبائل ومشائخ القبائل ويعالج القضايا عندهم ، ويؤمهم ويطمئنهم ، ويأتي بهم إلى صنعاء فيجد سياسات تتحرك إلى صف الملكيين لتنفير القبائل ، وكان يقف خطيباً ، ومن أراد أن يعرف الأستاذ الزبيري فليستمع إلى خطبه التي كانت كلها مملوءة إيماناً وإسلاماً وتقى وهدى ، واشتدت وطأة الحرب .


    التنظيم الشعبي :
    وأحست القيادة السياسية يومذاك أن الجمهورية معرضة للخطر فشخصوا الداء ، وقالوا لا بد من تنظيم سياسي يحمي الثورة ويجنب الشعب الخطر … اجتمع مجلس الرئاسة يومذاك ، وقرر إسناد هذا الأمر إلى الأستاذ الزبيري وتحرك الأستاذ الزبيري لإقامة التنظيم ، وكان معه الأسودي وحضر معه بعض الجلسات ، ثم انسحب فقال الأستاذ الزبيري : التنظيم الشعبي يحتاج إلى مقرات فمقراتنا المساجد ، والمصلون الأعضاء ، والموجهون الأئمة والعلماء ، وقاعدة الانطلاق الجامع الكبير ، والأمانة لهذا التنظيم ، وكان يتحرك –رحمه الله – إلى الحارات وينادي الناس إلى المسجد، فيأخذ منهم اليمين ويطلب من كل المصلين أن يختاروا أميناً عاماً للتنظيم ، وأميناً للدعوة وأميناً للاتصال ، ثم هناك جلستان في كل أسبوع ، جلسة يوم الاثنين وجلسة يوم الخميس ، وهما اليومان اللذان تعرض فيهما الأعمال على الله سبحانه وتعالى ، فاختار هذين اليومين لخاصيتهما .
    وبدأنا الاجتماعات واستقطب علماء صنعاء ، وكنا نجتمع في حلقة واسعة ، وكانت القبائل تدخل وتشاهد العمائم فتطيب نفوسهم وتفرح ويجلسون يستمعون فإذا بالحارات ترسل لنا بالنتائج ، حارة الفليحي ، حارة الجامع الكبير ، حارة العزاني ، حارة مسيك ، حارة …حارة ..حارة..حارة تقرر أنها ستعين شخصاً لتنظيف المسجد وتطهيره ، فتنشر هذا الخبر فتعمل به سائر المساجد ، حارة قررت أن تعين مربياً للأطفال في غير أوقات الدراسة فتنشر هذا الخبر فتأخذ به الحارات الأخرى ، حارة تقرر أنها ستعطي مكافأة لمن يحفظ جزءاً من القرآن الكريم أو من حفظ القرآن كله ، فتنشر هذا الخبر فيأتي التجاوب من سائر الحارات …حارة ترى أن تضع برميل على الطريق للزبالة ليجد الناس مكاناً يرمون فيه الزبالة ، فيتخذ القرار وينشر فإذا بالحارات تتخذ نفس القرار ، حارة الجامع الكبير قررت أن طبيباً فيها سيزور المرضى في الحارة فيزورهم ويدرب صحياً ونشرنا هذا الخبر فإذا بحارات أخرى تفعل مثل ذلك .
    ابتدأ الناس يتسابقون …حارات قررت أن تضع مصابيح للإنارة ليلاً لأن الحارات كانت مظلمة ، فيأتي التعويق من شركة الكهرباء أنها لا تتحمل …حارة قررت الإصلاح بين الناس فيأتي العالم ليصلح بين الرجل وزوجته ، وبين المتشاكسين ، بين كذا وكذا … تسابق في فعل الخير للدين والدنيا ، والناس ازداد إقبالهم .
    الأستاذ الزبيري أرسل وفوداً من العلماء إلى القبائل لإنشاء هذا التنظيم فتجاوبت معنا عدد من القبائل وفجأة صدر القرار : القاضي محمد محمود الزبيري أوقف جميع الأعمال المتعلقة بالتنظيم الشعبي !! وعندما جاء القرار صدم الأستاذ الزبيري لأن الباب الذي كان قد فتح للإصلاح وفق منهجه الذي يؤمن به قد أغلق .
    ممن القرار ؟!! قالوا : من الرئيس ، سأل الأستاذ الزبيري بعد ذلك فوجد القرار بطلب من القيادة العربية ، وعرفنا فيما بعد أن الطلب من القيادة العربية كان برغبة من السفارة السوفيتية…مفهوم !!..لأن السفارة السوفيتية انزعجت من هذا النشاط ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..


    مؤتمر عمران :
    قال الأستاذ الزبيري : يجب علينا أن نضمن مصدر القرار .. يجب أن يكون مصدر القرار يمنياً ، ويجب أن نحرر مصدر القرار ، ما الحل يا أستاذ ؟ قال : مؤتمر … نجمع الشعب اليمني الملكي والجمهوري في مؤتمر شعبي لنتخذ قرارا بتحويل الحكم من رئاسي إلى نيابي فيصبح الرئيس محترم ، ومجلل ، وفوق العين والرأس ، ولكن القرار للوزارة ….. وجاء إليه مشائخ القبائل وجاء إليه العلماء وجاء إليه الضباط ووزير الدفاع يومذاك في أول الثورة محسن الدفعي فأعطى الأستاذ الزبيري 28 ألف ريال تمويل المؤتمر، هذا التمويل جاءنا من الجيش ، وكان راتب الأستاذ الزبيري لا يكفيه لأنه كان يصرفه ، فكان الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر –جزاه الله خيراً – يرسل بين الحين والآخر أربعمائة أو خمسمائة ريال ، وكان الريال في ذلك الوقت له معناه "ويا أستاذ انظر أحوالك ..دبر شؤونك " ثم احتشد الناس واجتمعوا في مؤتمر عمران ، أرسل العلماء ممثلين عنهم ، وأرسلت القبائل من يمثلها ، وأرسلت النواحي من يمثلها واجتمع الشعب اليمني في مؤتمر عمران .
    وعقد مؤتمر عمران … وحضر ممثلون عن الجيش وكان منهم مثنى الفطيري ، وكان منهم عبد الله الراعي ، الجيش أرسل من يمثله ، الأمن – أظن – أنه أرسل من يمثله ، العلماء أرسلوا من يمثلهم وأرسل الشباب ممثلين عنهم ، وكانت الحركة الفكرية في بدايتها ، والبعث يومذاك كان حليفاً للحركة الوطنية ، وما كان يحمل في دعواه أية مضامين تخالف الإسلام علناً ، وكان مع الحركة الوطنية برموزه ، والأستاذ الزبيري يقبل من الناس الظاهر ويتحرك بالجميع نحو الأهداف..
    واجتمع الناس في مؤتمر عمران .. وكان مؤتمر عمران نقطة تحول في سير الجمهورية اليمنية منهجيا كانت المحاكم العسكرية تحكم على من تشاء بالقانون العسكري وقد سمعتم هادي عيسى وهو يصدر أمراً بإخراج بعض المساجين ، فخرج واحد من المساجين مع الذين سيعدمون فقالوا له فلان خرج ليس اسمه في الكشف ،قال :قد قسمه خرج " أي قدره أخرجه " , فكان الناس في رعب من شيء اسمه الغرقة .. وكان هناك خوف على الدماء الناس في خوي لا أحد يأمن على نفسه ، يمسك الشخص ويعمل له محكمة ويدخلوه الغرقة ،فقال الأستاذ الزبيري يجب أن نؤمن الأمة على دمائها ويجب أن نطالب بإلغاء المحاكم العسكرية وإقامة المحاكم الشرعية وألا يؤخذ أحد إلا بحكم شرعي ، واتجه البحث كذلك حول الحرب بين الملكيين والجمهوريين ، ما سببها ؟ ما أسرارها؟ من يحركها ؟ من يبعثها ؟ فقد قرر المؤتمر تكوين جيش شعبي قوامه 28 ألفاً مؤازراً للجيش اليمني والرسمي وعندما صدر هذا القرار خافت القبائل الملكية وتوقف القتال لمدة أسبوعين ، يخافون لأن هذا العدد من الجيش اليمني يكفي حسب تقديرنا لإنهاء الحرب ، وصدر قرار بالمطالبة بتكوين مجلس الشورى ، ومجلس الشورى قراره اتخذ في مؤتمر عمران ، وصدرت قرارات حول النواحي المالية وضبطها وحول الأمور السياسية الداخلية والخارجية ، ثم كان اليمنيون يومذاك قد علموا أن السر في استمرار الحرب هي رغبة خارجية ، وصدر القرار ثم كتبنا 26 قراراً في مؤتمر عمران واتفق الناس وكان عملاً منظماً ، وفي النهاية قال الأستاذ الزبيري للمشائخ ولبعض العلماء : قراراتنا الـ 26 لن تجد طريقها إلى النور إذا بقي الجهاز الإداري الحاكم كما هو .. إذا بقي الوضع الحكومي كما هو ، فطلب من كبار الزعماء والقادة والناس في الاجتماع وأقنعهم أنه لا بد من إصدار القرار السابع والعشرين وهو ((تحويل نظام الحكم من نظام رئاسي إلى نظام برلماني نيابي)) حتى تكون المسئوولية على رئيس الوزراء وليس على رئيس الدولة ، وصدر القرار ، ولكن الأستاذ الزبيري بروح شاعرية وبتأثيره الذي ينفذ إلى القلوب ، وقف يهيئ المؤتمر : إن إصلاحكم لن يجد النور إلا إذا استكمل بقرار ..إن الذي فعلتموه لإنقاذ اليمن لمشاهدة مستقبله الباسم يتوقف على قرار تصدرونه ، وأخذ يهيج الحاضرين قائلاً : قرار واحد .. إن الجهاز الحكومي الإداري فيه فساد كبير ..فساد كبير..يجب أن نصدر قراراً بتحويل نظام الحكم من نظام رئاسي إلى نظام برلماني بالإجماع ..موافقون .
    وأصدر الحاضرون القرار السابع والعشرين : " نطالب بتحويل نظام الحكم إلى نظام برلماني ويفوض الشعب اليمني القاضي محمد محمود الزبيبري في اختيار رئيس الوزراء " وخرج إلى الناس ..وجاء القائد العام للقوات العربية الذي كان حاضراً معنا في المسجد فقال : اليوم ولدت اليمن ، وهو كان يعلم أن المؤتمر قد وضع العلاج لكل أمراض اليمن ، فقالوا اليوم ولدت اليمن ، فاختفى هذا الضابط من الساحة اليمنية وغاب عنها عامين ، وقيل أنه أُدب بتلك الكلمة ، وتوجه وفد منا إلى القيادة العربية ، كان الرئيس السلال في القاهرة ، فأذيعت قرارات مؤتمر عمران ، وأصدر الجيش اليمني قراراً بتأييد تلك القرارات ، وأصدر ضباط الداخلية تأييداً لقرارات مؤتمر عمران ، وجاءت التأييدات من سائر القبائل..وجاء التأييد من اليمنيين في المهجر ، ومجلس الرئاسة أصدر قراراً بالإجماع بالموافقة على قرارات مؤتمر عمران ، والحكومة يومذاك أصدرت قراراً بتأييد مؤتمر عمران ، ما بقي من النظام إلا واحد وهو الرئيس السلال الذي كان في مصر ، لا شك أن الرئيس السلال يومذاك كان تحت ضغوط كبيرة وكان لا يستطيع أن يستغني عن المساعدات المصرية فقد جاء على لسانه أنه قال: أنا كنت بين نارين والحمد لله أني خرجت وأنا عاقل ..نار الشعب اليمني ونار القوات المصرية ..من هنا نار ومن هنا نار وأنا بينهم ، وابتدأت القبائل ترسل الجنود بناءاً على قرارات مؤتمر عمران ..وجاء رجال قبيلة مراد ووصلوا إلى صنعاء ...نحن جاهزون ، هذا فرقنا من الجيش " هذه مشاركتنا في الجيش الشعبي " فأنزلولهم في العرضي ، لا أكل لا مصروف ، فطلب الزبيري أن ينزلوا في الجامع الكبير ، وجاء ونام معهم ، وطلب من سكان الجامع الكبير أن يصنعوا لهم الطعام وتدخل لكي يرتبوا لهم أشياء ، كيف ؟. أنتم بلد في حالة حرب ..وشعب يقول أنا مجند تحت أمركم تقولون لا ..لا نريدكم ، فبقيت أزمة لمدة شهرين في صنعاء .

    الرئيس السلال يقابل الزبيري :
    قيل أن الرئيس سيأتي وانتظرنا مجيء الرئيس وكان يعلن عن مجيئه في أوقات ثم يتخلف ، وفي يوم مجيئه قالوا سيأتي فخرج الزبيري والشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وعدد من مشائخ القبائل وشباب المدرسة الثانوية "الشعب" ينتظرون مجيئ الرئيس في وقت الغداء ، فعزمنا طلبة المدرسة الثانوية على غدائهم ، فدخلنا المدرسة الثانوية وتغدينا مع الطلاب انتظاراً لموكب الرئيس ، وجاء الرئيس بمصفحات ضخمة شاهدناها لأول مرة في ذلك الوقت وحراسة مشددة .
    فخرجنا نجري وراءه وأخذوا الأستاذ الزبيري والشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ومعه بعض المشائخ ، ونحن نجري جرياً وراءهم ...فدخل الرئيس السلال إلى البيت ونحن في الخارج وتجمعت الجموع وانطلقت الهتافات "ياسلال هات هات ..مكاسب وانتصارات ..تنفيذك للقرارات " وارتفعت الأصوات والأستاذ الزبيري –أشهد- أنه ما كان يريد الاحتكاكات –رحمه الله- وخشي أن يتحول الأمر إلى صدام فأراد أن يصعد إلى السيارة ليهدئ الناس وأثناء صعوده ظن أحد الحراس المصريين على باب الرئيس أن الزبيري يريد أن يهيج الحاضرين وفتح الأستاذ الزبيري صدره وقال : نرفض البوليس نرفض الشرطة ..هذه صدورنا إذا شئتم فاقتلونا فإذا بتيار كهربي يسري في الحاضرين فما سمعت إلا إمساك البنادق " تك ..تك ..تك تك " القبائل معنا ..وإذا بذو محمد "إحدى القبائل" انتبهوا أن البنادق ليست معهم فتركوا الحاضرين وذهبوا ثم عادوا بعد قليل ببنادقهم ، الشرطة سمعوا البنادق فدخلوا السور وأغلقوا الباب من الداخل فأصبح ما بيننا وبينهم إلا الباب لا يوجد جنود في الخارج ، فأخذنا نرمي بالطوب ..الزبيري في ذلك الموقف ما كان يريد أن يُصعد الموقف ولكن الشباب الذين غلّبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة أحد غلّبوا الأستاذ الزبيري في ذلك الوقت ، الرئيس السلال يعرف من هو الزبيري ..والأستاذ الزبيري كان يكلمنا عن الرئيس السلال فيقول : عندما ننفرد به أرى قلبه يصفو كالسماء الصافية ، فما إن أتركه حتى أرى بعد ذلك تغيرات ..وبعد قليل قالوا : الرئيس السلال يريد الزبيري ، قالوا : يدخل معه ابن الأحمر ، قالوا : يدخل هو وابن الأحمر ..فدخلوا.
    قال السلال : ما هو الخلاف الذي بيننا ؟ كلنا متفقين ..كلنا أبناء اليمن فقال الأستاذ الزبيري : طيب نفوس الناس الذين بالباب دعهم يدخلوا وتحدث فيهم بكلمة طيبة ..ونحن عرفنا أن الرئيس السلال كان مخالفاً للقرار (27) فدخلنا نهتف : 27 كاملة 27 كاملة قال : خذوا لكم مائة .
    ثم خرجنا ، ولكن مرت الأيام ولم يتحقق شيئ ، وعود وتخلف ...وعود وتخلف ، قال الأستاذ الزبيري –وكنت أعيب عليه كما كان بعض الناس يعيب عليه أنه طيب القلب إلى حد كبير" فكان يقول لي :"خير حيلة ألا يكون للمرء حيلة ، إذا أردت حيلة تريد حرس يحرسوها حتى لا يكشفوها " يعني إذا كنت على حق فقل كلمة الحق ولا تحتاج إلى حارس ، لأن الناس عندما يكتشفون أنك تحايلت عليهم سيسحبون ثقتهم منك ، فخير حيلة ألا تكون للمرء حيلة .

    لقاء الزبيري والقبائل الملكية في أرحب :
    قلت : طيب يا أستاذ ماذا سنفعل الآن ؟ قال : بقي عندي شيء واحد ..هذه الحرب اليمنية التي يهلك فيها أبناء اليمن الملكي والجمهوري ..هذه الحرب الدائرة في أرض اليمن في بيوت اليمن ..في الشعب اليمني ، يجب أن نوقفها فما الحل ؟ ‍‍‍‍‍!!! قال : ما بقي معنا من حل إلا أن نتفاهم مع الملكيين "القبائل الملكية " ونقول إن كنتم تقاتلون من أجل بيت حميد الدين وإعادة بيت الإمام –خلاص- نثبت على ما نحن عليه ، وإن كنتم تقاتلون من أجل الأخطاء التي نشكو منها فلنجتمع جميعاً ولنصحح الأخطاء ولنقم النظام الجمهوري ، فقلت : يا أستاذ أنت تضمن الملكيين نحن في حالة حرب ، قال سنبدأ بقبيلة أرحب ، وسنتفاهم مع القبيلة هناك وهي نموذج لنا ، قال تصحبني ، قلت : بسم الله الرحمن الرحيم نصحبك ……
    وكنا خمسة ومعنا شيخ من أرحب "جمهوري" وقبيلته قد أعلنت إهدار دمه ، يعني الزبيري مطلوب رأسه وصاحبنا هذا مطلوب رأسه ، وأناكان لي برنامج في الإذاعة إسمه الدين والثورة وقيل : أن عبد المجيد هذا لن نسمح له بدخول البيت حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فلما وصلت إلى باب بيت خالي وجاء خالي قلت : ياخال ياخال ..أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وكانوا يتصورون الأمر هكذا فرؤوسنا مطلوبة ..ومعنا أبو الأحرار ، وبيتنا عند القيادة العربية في بيت مران ..والقائد المصري هناك غير مصدق ، فقال للأستاذ الزبيري : إلى أين أنت ذاهب يا أستاذ ، فأجابه الأستاذ : أنا ذاهب إلى عند الملكيين ، فرد عليه : سيقتلونك فأجاب الزبيري : دعني أحاول أنقذ شعبي ، هذا النـزيف من الدماء يجب أن يقف يجب أن نضحي بأنفسنا من أجل إيقاف دماء أهلنا وأبنائنا ، وتغلب الأستاذ الزبيري –رحمه الله- بإرادته الفولاذية ، وكنت ألاحظ أنه لا يستغل أحدا ًولا يؤذي أحداً ، يأتي الطفل في الشارع ممكن يجره من ثوبه ويصغي إليه الاستاذ الزبيري ، ويأتي آخر شيطان من الشياطين يأخذ من وقته ساعة أو ساعتين ويبتسم ويضحك له ، يقع عليه غلط ويشتد الناس فيه فيقول : مسامحين مسامحين ، فسألته ذات يوم قلت له : ياأستاذ ما هذا السلوك ؟؟ ما تخاصم أحداً ولا تقول لواحد لا ..ولا تقف ضد أحد ..ما هذا يا أستاذ؟؟ فقال لي : اسمع يا عبد المجيد ..للإنسان طاقة محدودة ..غيري من الناس يبددها في الخصام على التوافه مع الأصدقاء والإخوان والجيران والناس ، أما أنا فقد استجمعت كل قوتي وصنتها لمواجهة الطواغيت والجبابرة ، فأنا أدخرها لمواجهة من يخاف الناس مواجهتهم ، دخلنا أرحب وتجاوزنا حدود الجمهورية ..اثنان من أرحب شابان قويان قابلانا في الطريق ..أنت الزبيري ؟ قال : نعم السلام عليكم ، قلنا : الله ..الله ..هذه أول واحدة السلام انتهى ، لأن السلام أمان ، السلام عليكم ولا سلام ..يا ألله تعالوا ..وإذا بشيخ بني سفيان –رحمه الله – وأبناؤه وقبيلة أرحب ينتظرونا ومعنا الشيخ المجمهر واصطفينا على طريقة القبائل علم وخبر ، واصطفوا هم ، وأنا منتظر متى يقع الرصاص فينا ؟..
    فنادوا "علمكم " ؟ فوقف هذا الشيخ المطلوب إهدار دمه ، قال : إخوانكم جئنا على كتاب الله وسنة رسوله ، وعلى مبادئ مؤتمر عمران ، وهؤلاء ردوا : ويا أهلاً وسهلاً.
    وإذا بالطبول تضرب والزوامل والبنادق ..واحتفال بالأستاذ الزبيري ، وحفظت بيت من الشعر يقول :
    مرحباً بك يالوزير الزبيري يا حُر طول الوقت دائم يا مجاهد
    قلت هذا جيش الملكية !! يصفون الأستاذ الزبيري بالحرية والجهاد ..وأبو الأحرار ..ويا حر طول الوقت دائم مجاهد ، وذهبنا وتحدثنا مع مشائخ أرحب الذين جاءوا لزيارتنا … وتفاهمنا على عقد مؤتمر جديد ، يجدد مؤتمر عمران ، وكنا والأستاذ الزبيري في بيت سنان وقد قلت له : أستاذ كل هؤلاء الذين حولنا ملكيين ، قال : إن أكبر غلطة يرتكبها السياسي هي أن يغامر برأسه ، ونحن قد غامرنا برؤوسنا – رحمه الله – ثم خرجنا نريد أن نسمع متى نعتق أنفسنا من أرحب من جيش الملكية ، فخرجنا مسرعين نغذ السير نحو حاشد "الجمهورية" فإذا برسولين يجريان وراءنا رجال أشداء وبالبنادق .. أنت الزبيري ؟ نعم !… جاوب أحمد حميد الحبّاري . وقد كان قائداً لجيش الإمام ومن قواده المشهورين ، فقلنا لهما نحن مستعجلين ولدينا ظروف ، قال : إذن كما تريدون ، ذهبوا وكأنهم يريدون القتال ، وقد كان الرأي أن واحداً منهما يذهب ليأتي بأحمد حميد الحباري والآخر يبقى حارساً علينا ونحن موافقين ليأتي أحمد حميد للتفاهم معه ، جاءنا أحمد حميد راكباً بغلته ومعه جيشه ، وأحمد حميد هو عدو الشيخ "المجمهر" والتنافس بين الاثنين قلنا : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فجاء أحمد حميد ونزلوا وأنا أرقب البنادق التي ستتحرك للاغتيال وقد كنت شاباً صغيراً بالنسبة لذلك الوقت ، وتجاربي مع القبائل قليلة يومذاك ،ثم اصطفوا كعادة القبائل .. علمكم؟ فأجاب الناطق الرسمي لنا وهو العدو اللدود للمتكلم ، فقال له نفس الخبر ..فقال : ارحبوا مرحب الصوت وأهلاً وسهلاً فوق العين والرأس ..أنتم ضيوفنا ، قلنا إنا لله وإنا إليه راجعون !!.
    قال أحمد حميد الحبّاري ماذا تقول أرحب ؟!! التقى أحمد حميد الحباري بالزبيري وخلاه "تركه" يمشي وأعطاه فلوس ، ويقولوا : أين قسمهم ، لا والله ما وقعت .. أنتم ضيوف ليعرف الناس كلهم ، فأجاب الزبيري : طيب ولكن لا ترجعنا بيتك "ذيبان " قال : نضيفكم هنا في بيت الجالب قريب من حاشد ، فقلنا : حاضر … فرجعنا ضيوف وإذا بالبنادق والقصائد الجميلة ، وجاءت قبيلة أرحب وكلمناهم عن الجمهورية وعن الصحابة وعن الخلافة الراشدة وأننا نريد الجمهورية على الخلافة الراشدة ، فقالوا : إن كان على هذا فنحن معكم ونحن لا نريد إلا هذا لكننا نشتكي من كذا وكذا ..وأخذوا يشتكون مما نشتكي !! وبتنا تلك الليلة وأنا أتوقع أنه في الليل سيسري بنا ليلاً إلى الإمام فأخذت البطانية أغطي رأسي في انتظار ما سيحدث .. فأنزل الله السكينة حتى الفجر ، وإذا بالمؤذن يؤذن فقمت من النوم أتفرج أين نحن فوجدت نفسي في نفس المكان فحمدت الله جل وعلا ثم خفت أن يكونوا قد أخذوا الأستاذ ، فناديت : أستاذ ..يا أستاذ ؟ قال: نعم قلت : الحمد لله الأستاذ موجود ، وصلينا ، وكان لي حق في تلك المخاوف لأن جيش الإمام تحرك بالليل ، وتوجه إلى بيت سنان ، وإلى أحمد حميد ، وقد كان قائده ابن الإمام ، وقال : يجب أن تسلموا لنا الزبيري – وكان معه مائتا مقاتل- يجب أن تسلموا الزبيري ، فقال له مشائخ أرحب : اسمع ..اسمع يا سيد أنت في هذه البلاد بوجه أرحب ، والمصري يطلب رأسك ولكن نحن وجوهنا ما أعطيناها للمصري ، واليوم الزبيري في وجه أرحب ، فإذا أردت منا أن نخون ونغدر بوجه أرحب فاليوم بالزبيري وغداً بك ، ولك الخيار ، فتحايل عليهم ..قالوا : ماعندنا غير هذا الكلام ، وردوه على عقبه ، ثم في الصباح كان موعدهم في السوق فاجتمعوا في السوق قالوا يا أرحب تعالوا نتشاور في هذا الزبيري ، الزبيري جاءكم يقول …ويقول…ويقول ويقول ..ونحن لا نريد أن نتخذ قراراً من دونكم ، وما قراركم يا أرحب ؟؟ قالوا : اعرضوا على الزبيري إذا يريد يبقى بيننا أهلاً وسهلاً في وجوهنا فوق العين والرأس ..نفرق له الحطب ونعطيه البيت ونفرق له الحب ونفرق له الحرس ..وهو في وجه أرحب ، وإن أراد على ما يقول يدعو باقي القبائل ، ويجمع الملكيين والجمهوريين في هذا الطريق ..رافقوه وأرسلوا معه الحراس إلى حدود الجمهورية ، وسلموه من وجوهكم إلى وجه حاشد ، ويلتزموا لكم أنهم تسلموه في وجوههم حتى تبقى وجوهنا بيضاء .

    العودة إلى حاشد :
    فجاءوا وقالوا لنا ذلك ، فطرت فرحاً وجاءونا بحمير نركب عليها وجيش الإمام معنا يرافقنا وخرجنا إلى حدود حاشد ، رأت حاشد اثنين معمَّمين وجيش ملكي فأعلنت الطوارئ والتفوا من جميع الأماكن ورتبوا حدودهم … وكلفوا رجلاً طاعناً في السن ينتظرنا على الماء ، وصلنا .. يا أرحب خيرة الله عليكم - يقولها صاحب حاشد الرجل المسن - بيننا رقوم .. " يعني بيننا اتفاق عدم اعتداء "قالوا : هذا الزبيري ، قال : يا أرحب لا تغالطوا ، قالوا : والله هذا الزبيري ، قال : الزبيري يجي من هنا؟!!! وكان الزبيري عاشق للآثار .. وكنت إذا رأيت فيه رغبة لا أقاومها تأدباً معه ، وفي ذلك الوقت قال : هنا آثار ، أريد أن أزور الآثار ، ولأول مرة أتجرأ عليه وأكسر رغبته ، فقلت له : يا أستاذ الله يجزيك الخير ليس في هذا الوقت في وقت آخر ، وهم قد رتبوا في الطريق ، وقالوا إذا جاوزوا هذا الحد فجاوبوهم بالرصاص ،فالحمد لله كان التدخل في مكانه وبينما نحن كذلك جاءنا مشائخ قبائل حاشد من خميس القديمي .. كيف عرفوا ؟ كيف جاؤوا ؟ سراً لا أعرفه حتى هذه اللحظة ، فجأة جاءوا المشائخ .. من أين أتوا ..من جاء بهم ؟ لا أدري هل كانوا مرتبين وسمعوا الكلام ثم أتوا .. لا أدري !!.
    فلما جاء مشائخ حاشد وعرفوا الأستاذ الزبيري … سلموا عليه بحرارة .. أهلاً وسهلاً .. ضيفنا تفضل ، قالت قبائل أرحب : يا حاشد إلى وجوهكم ، قالت حاشد : إلى وجوهنا ، قالت أرحب : وجوهنا بيضاء ، قالت حاشد : وجوهكم بيضاء وجاملين ، المهم سلمونا دور وتسليم … وأخذتنا قبيلة حاشد وخرجنا وأعتقنا الله فعرفنا ميلادنا .. ميلاد جديد ، خرجنا إلى خميس القديمي ، فخرجت القرية لاستقبالنا بالبنادق والطبول والفرح والزوامل .. وارتص القبائل صفاً بطريقة علم وخبر ، وقفوا صفاً ووقفنا صفاً ..علمكم تكلموا ، وجاء الجواب الآتي وانظروا الثقة في القائد ، انظروا الثقة في العلماء ، انظروا الثقة في القدوة ، قالت قبيلة حاشد : يا زبيري إن قلنا أنت جمهوري فأنت أبو الأحرار ، وإن قلنا أنت ملكي فأنت خرجت قدام عيوننا مع جيوش الإمام ، ولكن ارحب من القاع إلى فوق الرأس إذا أنت جمهوري فنحن جمهوريون وإن أنت ملكي فنحن ملكيون .
    وتوجهنا بعد ذلك إلى ريدة وتكلم الأستاذ الزبيري مع القيادة العربية ، وكان يوجد فيها رجل صالح "ضابط صالح " من المتدينيين ، ثم توجهنا إلى خمر ثم استقر بنا المقام في حوث وكنا ضيوف على بيت الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ليس في بيته وإنما في مقهى ، وفي يوم في الصباح كنا معتادين أن نشرب القهوة فلم نجد أحداً ولم نجد شيئاً فقلت في نفسي : من أراد أن يكون مجاهداً ويتعرض للأحوال يجب أن لا تستعبده عادة أياً كانت تلك العادة ، ومن يومها قررت ألا أشرب قهوة بنّ في الصباح حتى لا نذل أنفسنا بسبب عادات يمكن أن يستغنى عنها ، وكانت فكرتي كذلك في مسألة القات ...إن القات يحتاج إلى نفقة ، يحتاج إلى أموال ويأخذ الوقت ، والأستاذ الزبيري كان معي في أن القات في مجموعة لا يكون نافعاً ولا يكون صالحاً ويتحكم بالناس ...
    رجعنا .. وكان الأستاذ الزبيري يقول لي : رب الشباب في حوث فكنت آخذهم فأعطيهم دروس وأمرِّنهم على الرياضة ..وعشنا هناك ..

    زيارة عبد الناصر لليمن:
    سمع مجلس الرئاسة الناس في صنعاء يقولون : الزبيري ميْلك "أصبح ملكياً "
    الزبيري ملكي وانتشر الخبر ، فلما سمع الأستاذ الزبيري هذا الكلام رجع إلى صنعاء ليكذب هذا الخبر ودخل الجامع الكبير وخطب في الجامع الكبير فقال : أنا محمد محمود الزبيري ما ميلكت " لم أصبح ملكياً " وأخذ يشرح قضيته ، ووعدته الدولة آنذاك بالإصلاح ولكن لا فائدة .
    فقيل لنا : الرئيس عبد الناصر سيأتي لزيارة اليمن ..الأستاذ الزبيري قال : إنها فرصة أن نشرح قضيتنا مباشرة للرئيس جمال ، ولكن الرئيس جمال جاء ومعه دستور دائم للجمهورية العربية اليمنية ..قد أعده وجاءنا به جاهزاً ليعطينا إياه ، فاجتمع الزعماء اليمنيون ومشائخ القبائل والعلماء والشباب المثقف وفزعوا للأستاذ الزبيري ..قالوا : ما موقفنا يا أستاذ ؟.. سمعنا أنه سيأتينا بدستور ، فما هو الموقف ؟ فقرروا المقاطعة … لا كلام في الدستور .. الدستور لا يطبخ في ساعة .. الدستور لا بد أن يأخذ حقه من الدراسة .. لانقبل نقاش في الدستور، ثم ذهبوا إلى الرئيس عبد الناصر .. ولما دخلوا القاعة قال لهم الرئيس عبد الناصر :… نحن نريد أن نطمئن عليكم ، ونحن في قلق عليكم وعلى الثورة اليمنية ونريد منكم أن تطمئنوا ، وأن تصلحوا ذات بينكم وتتفقوا ..وأحسن شيء تتفقون عليه هو الدستور ..الدستور هذا سينظم الأمور ويثبت القضايا ..وإذا اتفقتم على الدستور فالأمور ستسير سيراً دستورياً .. فوقف الأستاذ الزبيري وقال له : ياسيادة الرئيس الدساتير إنما تدرس من قبل العلماء المختصين لأنها تحكم القوانين وتحكم مستقبل الأمة .. لابد من التأني والدراسة والبحث والتحقيق ، قال الرئيس : الله !! نحن معنا عقول .. نحن سنقرأه بتمعن ، وما نجد من أخطاء فيه نحذفها ، والصح نبقيه ، الأستاذ الزبيري أخذ يتكلم ..والمشائخ الذين كانوا متحمسين والسياسيون كلهم هابوا الكلام ، فتقدم اثنان ..واحد من بيت القوسي وواحد من بيت البخيتي ، فالتفوا إلى المشائخ واحداً بعد الآخر .. ما قلتوا يا مشائخ ؟ أليس اتفقنا أننا نرفض الدستور أم لا ؟ ما لكم سكتم … الأستاذ يتكلم وحده ، استوعب الرئيس جمال الموقف … فأحرج الأستاذ وأحرج الجميع . وبدأ يقرأ عليهم الدستور مادة مادة .. الحريات الخاصة مكفولة في حدود القانون الملكية الخاصة مكفولة في حدود القانون … من فعل كذا وكذا في حدود القانون ، فوقف الأستاذ الزبيري وقال : يا سيادة الرئيس أنت الآن ما أعطيت باليمين تأخذه بالشمال ، من هذا الذي يستطيع أن يقول كلمة …قانون يقيد الحقوق والحريات ..يا سيادة الرئيس أنا أذكر أن الشعب المصري في مصر عندما أنزلت الميثاق طالبك الشعب أن ينص في الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر القوانين جميعاً ، وأقر الشعب المصري ذلك وأنت قلت : ما قرره الشعب المصري له قوة الميثاق ، وما إن أكمل الأستاذ الزبيري الكلمة حتى تلقفها الرئيس جمال بقوله : نعم نعم ، وأخذ القلم وكتبها بخط يده في الدستور … الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعاً ، وثبت منذ ذلك اليوم في مشروع الدستور..

    استقالة مجلس الوزراء ومجلس الرئاسة :
    كان هناك إباء ..وكان هناك شجاعة وكان هناك قوة… وكان الشعب لا تزال فيه الروح ، ثم طالب الأستاذ الزبيري مجلس الوزراء ومجلس الرئاسة أن يستقيل .. إذا كنتم حقاً تحترمون إرادة الشعب في مؤتمر عمران فأفسحوا المجال لقرارات مؤتمر عمران لقرارات الشعب أن تنفذ …قدموا استقالتكم .. وقدمت الحكومة اليمنية استقالتها بأجمعها وعللت أن الاستقالة استجابة لقرارات مؤتمر عمران ، وقدم مجلس الرئاسة استقالته ولم يبق في النظام إلا الرئيس ونائبه فقط ، كنا نتمنى في ذلك اليوم أن تتكلم إذاعة واحدة عنا .. لأنه لو علم الشعب اليمني أن الحكومة قد استقالت ، ومجلس الرئاسة قد استقال سيتعاطف معنا ..وسيقوى التيار الشعبي ونستطيع أن نغير ، لكن جميع الإذاعات المعادية للجمهورية والموالية للجمهورية والخارجية البعيدة لم تتكلم كلمة واحدة عن هذا الحدث الكبير مدة شهرين ولم تذكره إلى يومنا هذا، إذاعة عدن بجوارنا كانت لا تترك شاردة ولا واردة من الأحوال في صنعاء إلا وتتكلم فيها ..واستقالة مجلس الرئاسة واستقالة مجلس الوزراء لا يتكلم عنها أحد ..وإذاعة لندن التـي كانت تتكلم عن دقائق الأمور وتفاصيلها لا تعلم شيئاً ..إجماع بين الصحف والإذاعات على ألا يتكلموا كلمة واحدة –تعتيم – وكان الرئيس السلال ونائبه العمري في القاهرة ماذا سيأتي منهما ، وكان الرئيس عبد الناصر يحرضهما علينا على تصفية الصفوف ، وحل مشاكلها ، فطن الأستاذ الزبيري لهذا ..قال هذا إعلان حرب علينا ..الثورة اليمنية قادرة على حل مشاكلها .. معنى ذلك إراقة الدماء .. معناه أنه قد رتب شيء جواباً على مطالبنا السلمية باستخدام العنف ..

    إعلان حالة الطوارئ في صنعاء والإنتقال إلى برط :
    وفي اليوم التالي يذيع صوت العرب : أن الرئيس جمال عبد الناصر التقى عبد الله جزيلان في الصباح وفي العصر .. فقال الأستاذ الزبيري ذاك التبرؤ من الجريمة القادمة ، وهذا اللقاء مع المنفذ .. فلا بد أن تتداركوا أنفسكم .. ما هو الحل يا أستاذ .؟ قال : المشائخ كل يخرج إلى قبيلته .. العلماء كل واحد يخرج إلى قبيلته تحميه .. أما أنا فسأتوجه إلى برط واتفقنا وخرجنا من صنعاء فما إن وصلنا سفح جبل برط حتى أعلن عن مجيئ الرئيس عبد الله السلال ، والفريق العمري ، وسمعنا الإذاعة ونحن في سفح الجبل فإذا بها تذيع نبأ : إعلان الأحكام العسكرية …إعلان حالة الطوارئ .. القوانين التي سيحاكم بموجبها المواطنون .. من طلب تعديل الدستور "الإعدام " من طالب بكذا وكذا "الإعدام " من عثر على خط له في كذا وكذا وكذا ""الإعدام …الإعدام …الإعدام "" إعلان الفريق العمري حاكماً عسكرياً .
    قال الأستاذ الزبيري : بموجب هذه القوانين يصح لهم أن يقتلوني ثلاث مرات ، كان فطناً –رحمه الله – وكان ذكياً ، ثم قال عندي قنبلة ، فقال له عبد الملك الطيب ومحمد الفسيل الذين كانا معنا : ما هي هذه القنبلة يا أستاذ ..أخبرنا ، كان لا يحرص على رأي في هذا الموضوع فوجه الخطاب إلى عبد الملك الطيب وإلى محمد الفسيل وقال لهما: اسمعا لقد طاوعتكما في كثير من الأمور وقبلت آراءكما في كثير من المسائل .. فأريد منكما أن تعطياني الحق في اتخاذ قرار بدون مناقشة ، لأنه كان يتوقع منهما شيء من المناقشة ، ما هو يا أستاذ ؟ قال : لا أقول لكما عنه إلا في قمة الجبل ، وصعدنا الجبل ونحن نشتاق إلى سماع تلك القنبلة التي سيواجه بها الأستاذ الزبيري إعلان حالة الطوارئ وإعلان الأحكام العسكرية ، ووصلنا الجبل وكان في انتظارنا الشيخ أمين أبو رأس شيخ مشائخ قبائل ذو محمد ومعه مشائخ وقبائل ذو محمد .

    الزبيري يعلن قيام حزب الله :
    وما إن وصلنا إلى قمة الجبل حتى ظهرت الجموع في انتظارنا وإذا بالرصاص وأهازيج الفرح والأشعار ، واستقبلونا استقبالاً حافلاً ثم قال … أما المفاجأة فهي إعلان حزب الله ، قرار بإعلان حزب الله .. ووافقناه على ذلك وما عارضناه ، وقد كنت أشاغله طوال تلك المدة أقول له : يا أستاذ أنت انشغلت بالقضايا العامة .. ما ربيت الشباب ما ربيت الناس ما تحركت بهم ، فكان يقول : يا بني إننا نحافظ على وعاء ونصب فيه الإسلام ، إن هذا الوعاء اسمه اليمن .. فإذا تكسر هذا الوعاء فأين تصب هذا الإسلام وأين الذي يحفظه ، إننا نركب سفينة لابد أن نسعى للحرص عليها وأن نصونـها ، فلما أعلن حزب الله قال : تفضل اشتغل ربِّ علّم وجِّه … الآن هذا وقتك ، وأصدرنا بيان إعلان حزب الله ، الإذاعة الملكية ساعدتنا مساعدة عظيمة في نشره فأخذت البيان وكانت

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 4:56 pm